لماذا تبقى عالقًا في نفس المكان رغم رغبتك الصادقة في التغيير؟
هناك لحظة يمرّ بها كل إنسان، يجلس فيها مع نفسه بصمت، وينظر إلى حياته كما هي، لا كما يتمنى أن تكون. لحظة صادقة، بلا تبرير، بلا أقنعة. يسأل نفسه: لماذا لم أتقدّم؟ لماذا أشعر أنني أدور في نفس الدائرة منذ سنوات؟
الأغرب أن هذا السؤال لا يأتي للكسالى فقط، بل يأتي غالبًا لأولئك الذين يحاولون. الذين يقرؤون، يشاهدون مقاطع تطوير الذات، يخططون، ويتحمسون… ثم بعد فترة، يعود كل شيء كما كان.
في هذه المقالة على رحلة المتعلّم، لن نكرّر كلامًا تحفيزيًا مستهلكًا، بل سنفكّك المشكلة من جذورها: لماذا يبقى الإنسان عالقًا رغم صدق نيته؟ وأين يحدث الخلل الحقيقي؟
الوهم الأول: التغيير قرار
نحن نحب فكرة أن التغيير قرار. نقول: «قرّرت أن أغيّر حياتي». لكن الحقيقة الصادمة هي أن القرار وحده لا يغيّر شيئًا.
القرار يشبه الضغط على زر التشغيل، لكن من دون نظام، سينطفئ الجهاز بعد دقائق. ولهذا ترى أشخاصًا يتخذون قرارات قوية جدًا، ثم ينهارون بسرعة.
التغيير ليس قرارًا، بل بنية يومية. طريقة نوم، طريقة تفكير، طريقة تعامل مع الفشل. ومن دون هذه البنية، يظل القرار مجرد شعور عابر.
الوهم الثاني: أنك تحتاج دافعًا أقوى
كثيرون يظنون أن مشكلتهم هي نقص الدافع. فيبحثون عن فيديو أقوى، كتاب أعمق، شخص أكثر إلهامًا.
لكن الدافع ليس المشكلة. الدافع شعور، والشعور متقلّب بطبيعته.
الحياة لا تُبنى في الأيام التي نشعر فيها بالحماس، بل في الأيام العادية، الثقيلة، التي لا نشعر فيها بشيء.
من ينتظر الدافع ليعمل، سيعمل قليلًا. ومن يبني نظامًا، سيعمل حتى عندما لا يريد.
الوهم الثالث: أنك فاشل لأنك تسقط
أحد أخطر أسباب البقاء في نفس المكان هو تفسير السقوط. عندما تسقط مرة أو مرتين، تبدأ قصة داخل رأسك: «ها أنا أفشل من جديد».
لكن السقوط ليس دليل فشل، بل دليل أنك تحاول.
الفرق بين من يتقدّم ومن يبقى مكانه، ليس أن الأول لا يسقط، بل أنه لا يجعل السقوط تعريفًا لنفسه.
كل عادة جديدة، كل طريق جديد، يمرّ حتمًا بفترات ضعف وتراجع. الخطأ ليس في التراجع، بل في التوقف.
المشكلة الحقيقية: صراع داخلي غير واعٍ
كثير من الناس يريدون التغيير، لكن جزءًا داخلهم يخاف منه. ليس خوفًا واعيًا، بل خوفًا عميقًا:
- الخوف من الفشل الحقيقي
- الخوف من النجاح وتغيّر الصورة الذاتية
- الخوف من خيبة الأمل
- الخوف من المسؤولية
فيبقى الإنسان في منطقة يعرفها، حتى لو كانت مؤلمة، لأن المجهول أكثر رعبًا من الألم المألوف.
وهنا يحدث الشدّ والجذب: تريد التغيير، لكنك تقاومه في الوقت نفسه. فتبدو عالقًا.
لماذا التغيير البطيء هو الوحيد الذي يدوم؟
العقل البشري لا يحب القفزات الكبيرة. كل تغيير مفاجئ يفسّره كخطر.
لهذا تفشل الخطط الضخمة، وتنجح العادات الصغيرة.
عشر دقائق يوميًا، عادة واحدة، خطوة واحدة قابلة للتكرار… هذه هي اللغة التي يفهمها الدماغ.
التغيير البطيء لا يبدو مثيرًا، لكنه الوحيد الذي يتراكم.
لماذا الاستهلاك يمنعك من التقدّم؟
نحن نعيش في عصر الاستهلاك العقلي. نستهلك أكثر مما نبني.
تشاهد عشرات المقاطع، تقرأ عناوين، تحفظ جملًا… لكن لا تطبّق.
وهنا يحدث خداع خطير: تشعر أنك تتقدّم، لكن حياتك لا تتغيّر.
الفرق بين من يتغيّر ومن لا يتغيّر، ليس في كمية المعلومات، بل في تحويل فكرة واحدة إلى فعل متكرر.
لماذا المقارنة تسرق حياتك؟
المقارنة تجعلك تحاكم نفسك بلا عدل. تقارن بدايتك بنهاية غيرك.
ترى النتائج، ولا ترى الطريق. ترى الضوء، ولا ترى السنوات.
وكلما قارنت، صغر ما تفعله في عينيك، حتى تتوقف عن الفعل.
الرحلة الوحيدة التي تستحق المقارنة، هي رحلتك أنت مع نفسك.
كيف تبدأ التغيير فعليًا؟
ابدأ من هذا المبدأ: ليس المطلوب أن تصبح شخصًا جديدًا، بل أن تصبح شخصًا أكثر التزامًا.
- اختر عادة واحدة فقط
- اجعلها صغيرة جدًا
- حدّد لها وقتًا ثابتًا
- نفّذها حتى في أسوأ أيامك
لا تبحث عن المثالية، بل عن الاستمرارية.
انصحك بقراءة هذا المقال
https://www.rihlatlearn.com/2025/12/why-life-doesnt-change.html
الخلاصة
إذا كنت عالقًا، فهذا لا يعني أنك ضعيف. بل يعني أنك تحاول بطريقة لا تناسب طبيعتك البشرية.
التغيير لا يحدث بالصراخ، ولا بالقسوة، ولا بالمقارنة.
يحدث بالهدوء، بالتكرار، وبالعودة بعد كل سقوط.
رحلة المتعلّم ليست وعدًا سريعًا، بل طريقًا صادقًا. ومن يسير بصدق، سيصل… ولو بعد حين.
